هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها
مازالَ في الدربِِ دربٌ .. وما زالَ في الدربِِ متَّسعٌ للرحيلْ ." محمود درويش "
.
.

في ما يشــــبه الســـــيرة " 1 "

 
اللوحة للفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي
 
                         إليكِ وأنتِ تبتسمينَ هناك... قربَ أحزانكِ 
 . إليكِ وحدكِ... " إليكِ " لينا  
  ...حارٌّ كجمرة
بسيط كالماء
 ...واضح كطلقة مسدَّس
وأريد أن أحيا
ألا يكفي هذا أيتها الأحجار التي لا تحبُّ الموسيقا
                        " رياض صالح الحسين "
 
نشر هذا النص على موقع جدار الثقافي
 

   صباحاً والسادسة من التفاتات خيوط شمسٍ كسولةٍ ترسم لي نهاية حلمٍ جمعني وإيّاها، تلك التي احتلت بقايا نومي وبللت ليلي بماء اللذة، كسلٌ لذيذٌ يعانقني، كم هي جميلة، لا أدري من تكون لكنني سـأمرّن يديَّ على تدوين ملامحها الليلة القادمة، لا سأرسم ملامحها هذا الصباح و أستعيدها ... وجهها... شعرها... ألقيت الستار على عينيَّ، إني أرسم لون عينيها..................... اللعنة على هذا الزمّور، هــــــــه.. رحلتْ.

أعيد اللعنة على هذه المفردة التي مابرحت تؤرِّق صباحاتي،
ز مّ  و ر.... زمامير تلاسن كل ما يحيط بها من سياراتٍ وبشرٍ وحتى تلك التي تعدو هاربةً على أربع... أنهض مثقلاً بالضجيج، أضع المنشفة على كتفي وأقول: سأنتعل سيارة ذات ثراءٍ وأزمِّر عليهم جميعاً.... أولاد الـــــ....

 

أتلو عشقي لرائحتها، أغمض عينيَّ وأدنيها رويداً رويداً لأشعر بها قريبةً مني، أمسكها من يدها، وآتي بها إلى مملكتي؛ مملكتي الصغيرة التي عرَّش عليها أيلول الياسمين وتبعثر بها تاريخٌ من الكتب، وأوراقٌ لذكرياتٍ لم يعد لها متسع من المكان في سلة المهملات " اليوم عندما سأخرج لعملي المقيت سأشتري سلة مهملات كبيرة وجميلة تليق بمملكتي وبحجم ذكرياتي "
لن أطيل عليكم فأنا أفقد توازني أمام سُمرتها وعبق رائحتها، سأحتسي فنجان قهوتي الصباحية و.... لكن تمهّل يا هذا... تمهّل. ألم تقل أنك ستدون تفاصيل يومك، وبالتالي إن شربت القهوة ستكون مضطراً لكتابة ذلك كون الكذب هجرك واستعصى عليك، وإن كتبت ذلك سيحتج صديقك وهو يقرأ هذه النص ويقول لك :

- أنت تكرّر نفسك فيما تكتبه، دائماً تشرب القهوة في الصباح، حتى بتُّ أتوقع ما تفعله في كل صباح ......

إذاً سأوفر عليَّ وعليه ملاحظته الدقيقة اليوم، ولن أشرب القهوة، هذا الصباح سأشرب قدراً من الرز السادة ( بدون سكر ) لكي يرتاح ضميره... شربت الرز بكل هدوءٍ، وأنا استمع إلى زياد وهو يغني :

أنا مش كافر ... بس الجوع كافر

أنا مش كافر ... بس المرض كافر ، والذل كافر

أنا مش كافر ... بس البلد كافر

أنا مقهور ب بيتي ... ومش قادر هاجر ....

 

لن أبدأ يومي بنشرة أخبار كما يفعل الشاعر الجميل " منذر مصري " وذلك لعدة أسباب منها أني أعاني من صداعٍ شديدٍ بعد كل نشرة أتابعها، ولأن أخبارنا تتكرر كل يوم كأيامنا؛ خالية من الفرح ومفعمة بالكولسترول ( استقبل، ودّع، شجب، ندّد، كسر، جرَّ، ..........، ................، ونام على بقية أحلامنا، انفجار هناك، حروب واغتيالات هنا.........ك، كوارث طبيعية هناك، كوارث بشرية هنا، صراعٌ على السلطة هناك، تداولٌُ سلميٌ للسلطة هنا )
باختصار " حالة قرف "

 

أختصر على نفسي مغبّة شراء السيتامول الوطني، وأنصرف لقراءة شريطٍ سريعٍ من أخبار الكوارث الطبيعية التي أنفت أن تزور بلادنا المعطاء.

أفكر ... علّ الكارثة هي خلاصنا كما قال صديقنا مالتوس في معرض حديثه عن المشكلة الاقتصادية، لكن دائماً في بلادنا آنفة الذكر تكون الكارثة شخصية ؛ كأن يجتاحك سيلٌ من الأمطار وتضطر إلى اعتلاء سيارة شاغرة السقف بسبب سوء الصرف الصحي أو عدم وجوده في أعرق مدن بلدنا، وتصاب بأنفلونزا البشر بدلاً من الطيور..

( إذاً لا علاقة لكوارث العالم ولشريطه فينا )

 

يبدأ ناظري بالتلعثم أمام الفوضى التي خلفها الأصدقاء، أعقاب السجائر، كؤوس الشراب الفارغة، بقايا الطعام،..... تتبعثر على الطاولة لتشكل ما يشبه لوحة سريالية.

أهُمُّ للملمة ما عاثه هؤلاء الأشقياء من فسادٍ في غرفتي بعد أن " نهبوا طعامي واستراحوا......"

 

يتعثر بي الملحق الثقافي لإحدى صحفنا المحلية ممدداً على طاولة العشاء، ملأت القهقهة كل الأنحاء من الخطبة العصماء التي ما انفكَّ رئيس التحرير يفتتح بها مقاله عن الأدب الملتزم بقضايا الجماهير، والمقاوم للبدع والخرافات التي يمارسها المتشبهون بالغرب باسم الحداثة، خاتماً حديثه بالنهي عنها تحت راية أن " كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار "  مقالات نقدية لنقادٍ لم يسمع بهم أحدٌ من قبل، خواطر العشاق تملأ الملحق على شاكلة ( حبيبتي ... أحبيني / أرجوك أحبيني / منشان الله أحبيني / أموت إذا لم أحبيني.... الخ ) قصيدة جديدة لشاعر الملحق الكبير والوحيد منذ سنين وهي من ديوان جديد له يصدر قريباً.
تباً لكم من..................
أعمال كهذه تحت الطبع وديواني وثالوثه المحرم ورابع رفض له قابعٌ تحت السرير!!

ترتعش يديَّ وأنا أقلب صفحاته التي تعيدني إلى أيام كنت قد ركنتها في زاوية مظلمة من الذاكرة، أرميه بنزق طفلٍ شعر بعدم جدوى دميته، بعبث طفلةٍ تمسك المقص وتودي بجدائل هلّلت لها سنواتها السبع.

تنزلق صورة قديمة جمعتني ورفاقي الصغار في المدرسة، آهٍ كم كنّا أطفالاً..... انظروا إلى الابتسامة البلهاء، أبتسمُ وكأن مفاتيح الحلم ستؤول إليَّ، وأن الصعاب سترزح تحت قدميَّ الصغيرتين، فليأت هذا الطفل ولينظر إلى الرجل الذي صاره الآن، كبرت أيها الصغير وبقي الحلم مفردةً تحيط بها سلاسل اليأس، ترميك في أحضان ما سميته مملكةً تعاقر الأمل وترنو إلى ما تبقى من حنظل الأيام، تتلقفك البطالة وترميك في دوامة البحث عما يقيك شر الحاجة، تفتح ذراعيك ما استطعت، تعبُّ المزيد من أوكسجين الحياة ...تغط... تدور...  تدور... فلا الدوامة تبتلعك ولا تملك الجرأة لتغلق ذراعيك، أغلقهما يا هذا فلست إلا الفائض عن الحياة، فلتخرج لعملك المقيت إذاً وإن لم تجده ابتعْ سلة مهملات كبيرة بحجم خيبتك تسعُكَ وذكرياتــــــــــ.........

 

لا أدري كيف تمكن هذا العنكبوت ( العبثي ) من القيام بإنزالٍ مظليٍّ مفاجئ أمام وجهي وكأنه تخرّج حديثاً من دورة الصاعقة ليعيد ذاكرتي إلى مكانها...هنا...والآن.

 
ارتدي ملابسي، ولا أنسى أن أرتدي وجها ً لا مبالياًَ رُسمتْ عليه ابتسامة أرغمتها خطوط العمر أن تتسع فأبدو كأربعيني مقبل على حياة... ربما جديدة.
 
                                                           فصل من رواية تصدر قريباً
                                        

(14) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 26 ديسمبر, 2007 01:28 ص , من قبل sonya
من سوريا

نص رائع بما يحمله من ألم وسخرية من واقع الحال .
بانتظار المزيد من سيرتك.
تقبل مروري السريع.


اضيف في 26 ديسمبر, 2007 03:15 ص , من قبل ســـما
من سوريا

مرحباًأيها الصديق وشكراًلقلمك الذي حملنا إلى عوالم الألم الذي يمارس زهوه على أعتاب فرحنا ..واليأس الذي يتمترس فوق قبرٍٍ رفعنا فوقه راية الحلم.....
دمت والانسانية بخير


اضيف في 26 ديسمبر, 2007 04:24 ص , من قبل leen83
من المملكة العربية السعودية

وتُخرجني عن النص!!...لم تفعل بي هكذا يامحمد؟؟..كُنت أمثل بإتقان في الأيام التى مضت...وأقنعت نعم أقنعت...لم اكن أكذب..إنني اتقمص الراحة..ووجدت أنها تليق بي..أو أستحقها..هكذا أزعم..
بكل الاحوال..
سعدت بقراءة الجزء الأول..وانتظر الثاني
كن سعيداً..


اضيف في 26 ديسمبر, 2007 05:24 م , من قبل almagut
من سوريا

إلى الرائع محمد سعيد
أعرف انه لديك مشكلة مع زمامير الوطن على كثرتها لدينا وأعرف انه لديكا أنفلونزا من العبثيين في هذا الوطن وأعرف انه لديك إحباط من الملحق الثقافي الوحيد في الوطن ولكن شكرا لهذا العبث الجميل الذي ترجمه محمد سعيد الى ابداع لا يحتاج الى اي تعليق بكل جدارة ..........


اضيف في 26 ديسمبر, 2007 11:18 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

الجميل محمد سعيد..

تمتهن الفتنة..
لك فتنةٌ إذا ما أشاحت عن جيدها شعرةٌ تسللت من بين إذنيها، تثيرُ هواجسي..
لك أيها القابض على المسافاتِ زمن السرد في ما يشبه السيرة..
أشبه بهيروسترات وهيروسترات بك أشبه.. لكنك تزين المنظر بأنخاب جثة.. أو قل: "لكنك تحرق المجد لتحظى بمعبدك".. إليّ بعود كبريتك لأحرق كل المجد.. إليّ بزيتٍ لا تخمده مياه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أشتقت إليك يا سيدي.. فجأتك لاهثا ظمأناً.. فرويتني بما يشبه سيرتك..

دمت سالما يا شقيق..
حسين عبدعلي


اضيف في 27 ديسمبر, 2007 06:58 م , من قبل almostabida5
من فلسطين

صديقي محمد سعيد
الحمد الله على سلامتك بعد غياب وكنت انتظر ما سينتجه عقلك المبدع
وألف مبروك ابداعك الجديد والمميز

لك احترامي


اضيف في 27 ديسمبر, 2007 07:05 م , من قبل almostabida5
من فلسطين

صديقي محمد سعيد
محمد رحت على جدار وكانت سيرتك او في ما يشبه السيرة تحمل عنوان في سلة مهملات ليش في جيران تركتها بدون عنوان وانت بتعرف انو ما بجذب القارىء الا العنوان قبل النص على كلٍ عنوان غريب ومميز
دمت بحب


اضيف في 27 ديسمبر, 2007 08:45 م , من قبل words2007
من سويسرا

لن أعلق على مقتطفات روايتك ..
عندما أقرء لك نص أحس أنى احتاج للقراءه مرات...
أعلق فرحتى الآن على أبواب مدينتك التى استيقظت بعودة روحك الجميله..
هناك محمد قلوباًطيبه تفرح بلقاءها كفرحتى الآن بأنك هنا..

انشاء الله لى عودة للنص بروح أخرى تستحقه

ربما أعود العام القادم

لن يتأخر كثيراً(:

كل عام وانت واسرتك بألف خير وصحة


اضيف في 29 ديسمبر, 2007 05:14 م , من قبل badd
من مصر

الصديق العزيز محمد سعيد لقد شعرت بفقدك فبحثت عنك فوجدنني أغوص في إبداعات دون رغبة مني للخروج من وسط هذا الجو المفعم بالفكر والذوق الرفيعين دمت صديقا


اضيف في 29 ديسمبر, 2007 08:26 م , من قبل words2007
من سويسرا

حالة القرف يامحمد أصبحت كحالة مرض عصرى مزمن..
أن ترتدى وجه الامبالاة صدقنى لايدوم
فأمطار الطريق قادرة على زحزحة القناع
وكشف مايختبيء تحته..
كيف ندون صرختنا ونوصلها وتحرك تلك الصرخة الدنيا ويتغير شيء فينا؟
كيف محمد؟
ونكتب صباحاتنا وآماسينا بقهوه أو بدون لافرق .. طالما الأستفاقة واحد والغيبوبة غيبوبة..
فقط نحن من نختار استفاقتنا الكاملة بأى وقت أو تركنا بحالة غيبوبة متى ماكنا لانملك الرغبة للأستيقاظ..


بدون كذب الآن فقط قرأت الرواية كاملة ,,
المره السابقة أتيت هنا وانا بنصف اغماءة ,, لم أكن قد شربت قهوتى بعد..
لكنى الآن أيضاً لم أفعل..
لارغبة لى بالأستفاقه .. كده أجمل
أقصد الحياة كده أجمل..

أتمنى ان تكتمل الرواية وتجد مردوداً انسانياً وصدى يردد تفاصيلها ولو بينه وبينه..

عيد طيب وسنه سعيده بأذن الله


اضيف في 13 يناير, 2008 02:33 ص , من قبل quasaydon

في مايشبه الاستجواب:
محمد ... وصلك الايميل اللي فيه رقم الموبايل ... لأن هذا الميل محفوظ عندي في دفتر العناوين .. بس ما صار ميل مباشر مع بعض .. للتأكد فقط ...

اشوفك بخير


اضيف في 14 يناير, 2008 04:38 ص , من قبل doctorbob1

كنت ذاهبا لأنام
يقتلني النعاس
وتعثرت بتعليقك عندي
لا ادري ماذا حل بي..هرولت مسرعا لهنا
حيث انت..وحيث يقبع جزءً منك هنا
يا الهي كم انتشيت بحروفك الذهبيه هذه
ما أحلى الرجوع اليك
لم تعد تلازمني حالة القرف الشديد ما دمت هنا ترشقنا ببوحك واحتجاجك ورفضك
الذي افرز لنا هذه المقطوعة
دام قرفك واشياء اخرى

تحياتي رفيق








اضيف في 24 يناير, 2008 10:43 م , من قبل alalawi2006a
من البحرين

عزيزي محمد سعيد ،

نفسي متعلقة بهذا الدرب
كم تدهشتي كتاباتك
وكم أدهشني قدرتي على البُـعد عنها

أتوقُ الي الاغراق تحت هطول هذه الكتابات
دوما تبقى متميزا يا شقيق الروح

سأسعد باقتناء الرواية..قريبا

حسن


اضيف في 05 فبراير, 2008 11:32 ص , من قبل blog

أخبارك وأخبار الجيران في جيرانيات نهاية عام 2007 ، اقرأها علك تجد اسمك بين سطورها:


http://blog.jeeran.com/archive/2008/1/454567.html

تحياتنا.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.